محمد بن جعفر الكتاني
42
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وتوجه للحج ؛ فحج وجاور بالمدينة ، ولقي مشايخ ، ورأى منهم أمورا عظيمة ، وأخذ العلم عن سيدي عبد السلام جسّوس ، وسيدي عبد السلام بن الطيب القادري ، وأبي عبد اللّه القسنطيني ، وأبي العباس الجرندي ، وأبي عبد اللّه المسناوي . وكان يجود القرآن بحر في نافع والمكي ، وله ولوع بزيارة الصالحين الأموات ، ومعرفة بهم وبضرائحهم ، ونظم جيد في أكثر صالحي فاس وتعيين مواضعهم منها ، اشتمل على أزيد من خمسمائة بيت ، اختصر فيه ابن عيشون وزاد عليه . وكان له لسان بليغ في الوعظ ، ولفظ فصيح في التذكير ، وله أصحاب أخيار ، وأتباع وجلساء يرافقونه حضرا وسفرا ؛ إذ كان شديد الاعتناء بزيارة الشيخ مولانا عبد السلام ، وسيدي أبي يعزى . . وغيرهما من المشايخ أمواتا وأحياء . وقد استطرد ذكره في " الزهر الباسم " ؛ وقال : « أدركناه ؛ كان - رحمه اللّه - ذا حالة منورة ، وسيرة في الصلاح مقررة ، تلوح عليه أنوار العرفان ، ويأتي في الطريقة بما لا يصفه لسان ، له مكاشفات وكرامات ، وأتباع وأصحاب ، وحب في الجانب النبوي واقتراب ، ملازما للذكر والقيام ، والعكوف بالمسجد الأعظم والصيام ، وله سهم في الطريقة مصيب ، واعتناء بشأن القوم وذوق عجيب » . انتهى المراد منه . وأورده الشيخ التاودي في فهرسته فيمن لقي من صلحاء المغرب قائلا : « ومنهم : الشيخ الذاكر ، ذو الفضل والنور الباهر [ 36 ] ، سيدي الحاج محمد المدرع ، كان الشيخ المسناوي يجله ويعظمه ، ويستخلفه في إقامة الصلاة ويقدمه ، وكان يحبني ويدعو لي ، ورآه ولده بعد موته ؛ فقال له : اقرأ على فلان . ففعل وترك الغير . حضرت وفاته وأنا جالس عند رأسه بداره بالعقبة الزرقاء وهو يقول : لا إله إلا اللّه . لا إله إلا اللّه . لا إله إلا اللّه . . يكررها ما قطعها حتى خرجت روحه وسقطت السبحة من يده . توفي - رحمه اللّه - قبل عام الخمسين بقريب ، وذلك سنة سبع وأربعين - يعني : من القرن الثاني بعد الألف - ودفن برأس القليعة ، بروضة هنالك تلي قبة سيدي محمد الطالب ، وكان - رحمه اللّه - كثيرا ما ينشد : نسير إلى الآجال في كل لحظة * وأيامنا تطوى وهن رواحل وما أقبح التفريط في زمن الصبا * فكيف به والشيب في الرأس شاعل ؟ ! تزود من الدنيا بزاد مبلغ * فعمرك أيام وهن قلائل »